الشوكاني
188
نيل الأوطار
واحدا أو أكثر . واختلفوا هل يختص القتل بواحد من الجماعة المعينين أو يقتل الكل ؟ وقال أشهب : لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحدا للقتل ويسجن الباقون عاما ويضربون مائة مائة ، قال الحافظ : وهو قول لم يسبق إليه . وقال جماعة من أهل العلم : إن شرط القسامة أن تكون على غير معين ، واستدلوا على ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة المذكور ، فإن الدعوى فيه وقعت على أهل خيبر من غير تعيين . ويجاب عن هذا بأن غايته أن القسامة تصح على غير معين ، وليس فيه ما يدل على اشتراط كونها على غير معين ، ولا سيما وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية ، وقد قدمنا أن أول قسامة كانت في الجاهلية قسامة أبي طالب وهي دعوى على معين كما تقدم . ( فإن قيل ) إذا كانت على معين كان الواجب في العمد القود وفي الخطأ الدية فما وجه إيجاب القسامة ؟ فيقال : لما لم يكن على ذلك المعين بينة ولم يحصل منه مصادقة كان ذلك مجرد لوث ، فإن اللوث في الأصل هو ما يثمر صدق الدعوى وله صور ذكرها صاحب البحر . منها وجود القتيل في بلد يسكنه محصورون فإن كان يدخله غيرهم اشترط عداوة المستوطنين للقتيل كما في قصة أهل خيبر . ومنها وجوده في صحراء وبالقرب منه رجل في يده سلاح مخضوب بالدم ولم يكن هناك غيره . ومنها وجوده بين صفي القتال . ومنها وجوده ميتا بين مزدحمين في سوق أو نحوه . ومنها كون الشهاد على القتل نساء أو صبيانا لا يقدر تواطؤهم على الكذب ، هذا معنى كلام البحر . ومن صور اللوث أن يقول المقتول في حياته : دمي عند فلان أو هو قتلني أو نحو ذلك فإنها تثبت القسامة بذلك عند مالك والليث ، وادعى مالك أن ذلك مما أجمع عليه الأئمة قديما وحديثا ، واعترض هذه الدعوى ابن العربي . وفي الفتح أنه لم يقل بذلك غيرهما . ومنها إذا كان الشهود غير عدول أو كان الشاهد واحدا فإنها تثبت القسامة عند مالك والليث ، ولم يحك صاحب البحر اشتراط اللوث إلا عن الشافعي . وحكي عن القاسمية والحنفية أنه لا يشترط ، ورد بأن عدم الاشتراط غفلت عن أن الاختصاص بموضع الجناية نوع من اللوث والقسامة لا تثبت بدونه . قوله : فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم أي يخلصونكم عن الايمان بأن يحلفوا فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شئ وخلصتم أنتم من الايمان . والجمع بين هذه الرواية والرواية الأخرى التي فيها تقديم طلب البينة على اليمين حيث